
لماذا كان محمد مليحي حاسماً للفن المغربي ما بعد الاستعمار
معرض جديد بعنوان موجات جديدة: محمد مليحي ومدرسة الدار البيضاء للفنون، في غرف الفسيفساء بلندن، يسلط الضوء على الإنجازات الفنية لمحمد مليحي (مواليد 1936)، رائد مؤثر في الحداثة المغربية. كان مليحي لا يزال طالبًا جامعيًا شابًا عندما اندلعت ثورة الملك والشعب في عام 1955، التي أدت إلى انتقال المغرب من مستعمرة أوروبية في القرن التاسع عشر إلى دولة مغربية حرة وحديثة وديمقراطية في القرن العشرين. بينما كانت بلاده تمر بهذه الصراعات الداخلية العميقة، كان مليحي منخرطًا في تحوله الشخصي، حيث تلقى تعليمًا دوليًا في الفنون أثناء دراسته في مدرسة الفنون الجميلة في المغرب وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا. في عام 1962، حصل تعليمه على دفعة أكبر عندما مُنح مليحي منحة من مؤسسة روكفلر للدراسة في جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك. أثناء وجوده في نيويورك، حظي مليحي بفرصة استئجار استوديو في نفس المبنى الذي كان فيه جيم داين، وتعرف على الرسام التجريدي فرانك ستيلا. كان للغة البصرية للتجريد الحاد الأمريكي تأثير عميق على مليحي. لم يقتصر الأمر على تبنيه لها لجودتها الحداثية، بل أدرك سريعًا أنها تعود إلى شيء قديم من ماضيه الخاص — الإرث الجمالي التاريخي للفن الإسلامي. ألهمه هذا الكشف لابتكار أسلوب جديد يعتمد على خطوط ملونة، حادة الحواف، مسطحة ومتموجة، تعبر في آن واحد عن التاريخ العربي والتجريد المعاصر. جذبت أعماله النابضة بالحياة والواثقة انتباه معاصريه وكذلك القيمين على المعارض بسرعة. في عام 1963، تم تضمين بعض أعماله في معرض الرسم والنحت الهندسي الحاد في متحف الفن الحديث. ومع ذلك، ألهمه حماسه لما اكتشفه في التجريد الحاد ألا يبقى في أمريكا، بل يعود إلى المغرب، حيث بقي منذ ذلك الحين، مكتشفًا جذور الحداثة المغربية ومساعدًا في تأسيس طليعة فنية جديدة في وطنه المتغير بسرعة.
أسلوب مليحي
اللغة البصرية المميزة التي اشتهر بها مليحي تظهر بوضوح في معرض موجات جديدة: محمد مليحي ومدرسة الدار البيضاء للفنون. يتجلى أسلوبه بشكل خاص في لوحاته، حيث تتشابك الأمواج الحادة Hard Edge مع دوائر وأقطار وحقول من الألوان الصلبة والمسطحة. تُوزع التراكيب بصريًا بطريقة متناغمة رغم رفضها للقواعد التقليدية للتوازن. يتميز مليحي بمهارته في مزج الفوضى مع البنية. كأنه يرسم صورًا لعشوائية الكون مصفاة من خلال انضباط اليد البشرية. بالإضافة إلى استراتيجيات التكوين الفريدة، تبرز لوحاته أيضًا بألوانها المتوهجة، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى اختيار الوسائط التي استخدمها مليحي. بعد عودته إلى المغرب في الستينيات، تحول إلى استخدام وسائط مثل طلاء السيارات، التي تعبر عن ارتباطه بالطبقة العاملة. لا تزال هذه اللوحات نابضة بالحياة وعصرية كما كانت عندما رُسمت لأول مرة.

محمد مليحي - تركيب، 1976. طلاء سلولوزي على لوح. 110 × 100 سم. © محمد مليحي
الأسلوب المميز لمليحي لا يقتصر على اللوحات فقط. في هذا المعرض نراه معبرًا عنه عبر وسائط متعددة أخرى. تمثال كبير متموج ينبض بثلاثة أشكال بيضاء متصلة، بينما تعبر النماذج المعمارية عن الفلسفة المستوحاة من باوهاوس التي يتبناها مليحي، والتي ترى أن الفن والعمارة والتصميم يجب أن تكون جزءًا من كل جانب من جوانب الحياة اليومية. ربما تأتي أبرز أمثلة أسلوبه المميز من خلال مجموعة المجلات والملصقات والكتب المعروضة، التي ساهم مليحي في تصميمها الجرافيكي. يتألق توازنه الرائع بين النظام والارتجال في هذه التصاميم، حيث يجمع بين الحساسية الجرافيكية الأوروبية في القرن العشرين مثل دي ستايل والبنائية مع حرية بصرية متدفقة تذكرنا بأن مليحي كان أيضًا عازف طبول جاز لفترة.

محمد مليحي - لهب، 1976. طلاء سلولوزي على خشب. 123 × 119 سم. © محمد مليحي
https://cdn.shopify.com/s/files/1/0807/1548/1432/files/15562690275GWSU.jpg?v=1750324408صنع الأمواج
الجانب البصري من قصة مليحي ليس الشيء الوحيد الذي يكشفه معرض موجات جديدة: محمد مليحي ومدرسة الدار البيضاء للفنون. من خلال مجموعته الضخمة من المواد المؤقتة، يروي المعرض أيضًا قصة أكبر بكثير عن كيف أثرت جهود هذا الفنان بعمق على زملائه، ومعاصريه من دول أخرى، وعلى الثقافة المغربية بأكملها. عندما عاد مليحي إلى المغرب من نيويورك، وجد أمة تكافح للحفاظ على هويتها. كانت الملكية مترددة في التخلي عن سلطتها، وكان الناس يكافحون لإيجاد الشجاعة للمطالبة بوكالتهم الديمقراطية. في وسط هذه المعركة كان السؤال حول كيف يبدو المغرب الحديث بالضبط. هل تعني الحداثة والديمقراطية التخلي تمامًا عن التاريخ والتقاليد؟ بالنظر إلى الكشف الذي عاشه مؤخرًا حول الجذور الإسلامية للتجريد الحاد، كان مليحي الشخص المثالي للمساعدة في الإجابة على هذا السؤال.

محمد مليحي - ميدان التايم، 1963. زيت على قماش. 50 × 41 3/8 بوصة (127 × 105 سم). © محمد مليحي
تولى منصب تدريس في مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء. هناك، علم طلابه أن ينظروا حولهم إلى العمارة والتصميم المغربي بحثًا عن إشارات بصرية حداثية. ساعدهم على رؤية أن جذور التجريد كانت تحيط بهم، ووجههم في خلق جمالية مغربية معاصرة تجريدية متجذرة في التاريخ والتقاليد وفي الوقت نفسه تشير إلى شيء جديد. وجد شركاء في الفنانين فريد بلخية ومحمد الشبعة، الذين شكلوا معه مجموعة غير رسمية تسمى مدرسة الدار البيضاء للفنون، التي سُمي المعرض على اسمها. لم يشكلوا فقط أساسًا لما أصبح الجمالية المغربية المعاصرة التجريدية، بل أسسوا أيضًا مفهوم الفن كشيء مستقل بطبيعته، وسياسي بطبيعته. تجسد موقفهم تمامًا في معرض عام 1969 نظموه معارضًا لصالون رسمي متزامن. علقوا لوحاتهم التجريدية على جدران المدينة، تاركينها في الخارج لعدة أيام معرضة للعوامل الجوية — شهادة على إيمانهم الدائم بأن الفن يجب أن يصل مباشرة إلى الناس، وليس أن يكون حكرًا على النخبة. موجات جديدة: محمد مليحي ومدرسة الدار البيضاء للفنون معروض في غرف الفسيفساء بلندن حتى 22 يونيو 2019.
الصورة المميزة: محمد مليحي - نيويورك، 1963. أكريليك على قماش. 153 × 127 سم. © محمد مليحي
جميع الصور مستخدمة لأغراض توضيحية فقط
بواسطة Barcio






